مقال للتاريخ: تخصص التغذية بالمملكة

 تخصص التغذية بالمملكة
مشكلاته وأسباب معاناة المتخرجين

تحديث للمقال المنشور  في رسالة جامعة الملك سعود
المأزق التاريخي لإختصاص تغذية الإنسان

 أد. أحمد بن عبدالرحمن الشوشان

الملخص
يعاني تخصص التغذية في المملكة من ضعف عام وتواجه مخرجاته اشكالات حقيقية في التصنيف والتوظيف والتقدم المهني.  ويعود السبب في ذلك الى البنية الأكاديمية لتخصص التغذية وبداياته ووضعه الحالي في قسم علوم الأغذية التي أسست لفهم مغلوط امتد لاحقا الى الجامعات والكليات الأخرى والى الرأي السلبي الرسمي والشعبي حول التخصص ومخرجاته. فالقسم بالغالبية القصوى من أعضائه المتخصصين بعلم الغذاء والصناعة الغذائية اتخذ موقفا رسمي مفصلي معلن مضمونه ” لا فرق بين التغذية والصناعات الغذائية ، والتغذية جزء من علم الصناعات الغذائية ” وتم البناء على هذا الموقف في مسلسل من التوجهات. فقد دفع هذا التوجه بالقسم الى تسجيل محاضر رسمية متعددة عارضت مقترحات لاستقلال تخصص التغذية وعارضت أيضا استحداث وتطوير برنامج التغذية في كلية العلوم الطبية ، وتم استحداث مسمى غريب للخريجين ( تغذية عامة ) وصياغة شهادات تخرج مختلطة للتخصصين وتغيير اسم القسم والكلية بما يتماشى مع هذا التوجه ويكفل بقاءه واستمراره .  هذا الموقف الذي تبناه وأصر عليه غالبية مجلس القسم المتخصصون بالصناعة الغذائية حقق أمر واحد وهو أنه مكن المتخصصين في الصناعة الغذائية من تخطيط مقررات التغذية وتدريسها والاشراف على طلابها وعلى الرسائل العلمية وطلاب الدراسات العاليا وميزاتها لكنه في نظري بالمقابل أساء للجامعة وضر تخصص التغذية وضر مستقبل الخريجين والخريجات من القسم وحرم المملكة من كيانات ومرافق وجمعيات ومراكز بحوث تغذوية متقدمة كان لها عبر هذه السنوات ان تتواجد وتسهم بفعالية .وهذا المقال لا يستعرض كلاما عاما ولا يتعرض اطلاقا لغير المعلن والموثق كما أنه يطرح تحليل ورؤية عملية علمية ويسمى الأمور بمسمياتها، وأرى أن كتابتة في هذا التوقيت مسؤولية وضرورة حيث تزايدت معاناة وتساؤلات الخريجين وطلبهم للحل وأيضا لفهم الخلفية والجذور والاجابة على التساؤل المر : لماذا يعاني أخصائيوا وأخصائيات التغذية ؟ ومن ثم لتتخذ الجهات المعنية وصناع القرار ما يوازي أمانتهم ومسؤوليتهم وليتخذ المتضررون موقف ايجابي منضبط لمصالحهم بمن فيهم الدارسين حاليا لتخصص التغذية والخريجين والعاملين والعاطلين ان هم أرادوا ذلك 

المقال  
تخصص تغذية الانسان هو تطبيق علمي يختص بالوقاية والعلاج بالتغذية من خلال برامج مقننة للأصحاء والمرضى، والمجال المعاصر لعمل الخريجين ومتخصصي التغذية هو العيادات والمراكز التغذوية والاشرافية التي تتصل مباشرة بالتقنين والتوجيه المهني التغذوي الصحي وادارتها.  هذا هو بالتحديد مجال عمل الخريجين والمختصين بالتغذية في هذا الزمن، بينما يدخل الاشراف على الأغذية وتطبيق المواصفات بالمستشفيات والمجمعات ضمن الخدمات الغذائية التي هي فرع من علم الصناعات الغذائية ، كما أن العمل في مواقع المجمعات الصناعية والقياسية والرقابية هو في دائرة تخصص الصناعات الغذائية . أما الخلط القائم محلياً على المستوى الأكاديمي والوظيفي وتعيين خريجي التغذية في المواقع المذكورة فهو خطأ مهني نتج عن البذرة الأكاديمية التاريخية التي تبناها المختصون بالصناعة الغذائية في قسم علوم الأغذية بجامعة الملك سعود والتي أسست عبر سنوات لهذا الفهم الرسمي والشعبي المغلوط .

في العقود الماضية بدأ تخصص التغذية في الجامعات العالمية  كمجموعة مقررات في أقسام صناعة الغذاء تحت مظلة كليات الزراعة الأمريكية والأوروبية. أيضا في الجامعات العالمية تم استحداث برامج في الكليات الطبية المساندة باسم التغذية السريرية أو الإكينيكية للتصدي لسوء التغذية بالمرافق العلاجية مهمته تخريج متخصصين يزاولون مساعدة الطبيب وتحت اشرافه.  وفي المملكة بدأت التغذية في كلية الزراعة في جامعة الملك سعود كمقررات محدودة ضمن تخصص الصناعت الغذائية أعقب ذلك استحداث برنامج للتغذية الإكلينيكية في كلية العلوم الطبية المساعدة، وهذا يعني أن بداية التغذية في المملكة كانت منسجمة تماما مع بداياتها العالمية وكان ذلك أمرً طبيعيً متوقع أن يتم تطويره . الاشكالية والمفصل التاريخي الذي حدث في المملكة في ذلك الوقت أن غالبية أعضاء القسم بالزراعة من المتخصصين في صناعة الأغذية من الألبان والتعليب والتصنيع واللحوم والحبوب. ولهذا رغم التنبيهات والمقترحات والمطالبات استمر الموقف في قسم علوم الأغذية على عدم تطوير التغذية وعدم استقلالها لعقدين من الزمن ولم يؤخذ في الاعتبار نوعية التخصص المطلوبة محليا والتباين عن الدول المتقدمة ولم يتم النظر في مآل الخريجين وصعوبة توظيفهم وما يواجهونه من معاناة حالياً ومستقبلاً ، كما لم يواكب القسم التغير الذي طرأ في الجامعات العالمية خلال تلك الفترة والتحولات الجوهرية  في التغذية والتطور الذي تم من حزمة مقررات إلى برامج ثم إلى شعب وأقسام ثم الى كيانات مستقلة في أقسام الحميات وكليات التغذية ومراكز البحوث التغذوية الوطنية.

من الحقائق أن تخصص التغذية تعرض لموقف متصلب باصرار مجلس القسم – نظرا لغالبيته أعلاه – على عدم التفريق بين تخصصي التغذية والصناعة الغذائية واعاقة محاولات استحداث شعبة للتغذية أومجموعة للتغذية  وتمسكه المعلن بأن تبقى التغذية برنامج ضمني في قسم علوم الأغذية. ومن الحقائق أيضا أن مجلس القسم أتاح لأي عضو متخصص في صناعة الغذاء بالقسم تدريس مقررات التغذية والاشراف على الدراسات العليا  وتخطيط المناهج في التغذية وأن ذلك أتاح فوائد مالية نظامية من مستحقات الاشراف ولجان المناقشة والعبء التدريسي والمقررات الصيفية. ومن الحقائق أن هذا الموقف  دفع القسم الى فتح ملف جامعي لمحاضر رسمية عارضت مقترحات لاستقلال تخصص التغذية وعارضت استحداث وتطوير برنامج التغذية في كلية العلوم الطبية. ومن الحقائق أيضا أنه تم استحداث مسمى غريب للخريجين ( تغذية عامة ) وصياغة شهادات تخرج مختلطة للتخصصين وأنه تم تغيير اسم القسم والكلية بما يكفل بقاء التغذية جزء من علوم الغذاء . ومن الحقائق أن زخم واندفاع هذا التوجه للغالبية من المختصين بصناعة الغذاء  فوت على ادارة الجامعة والمخططين الأكاديميين وعلى جهات التصنيف والتوظيف والخدمة المدنية فرصة تدارك الوضع وأنه حصر عطاءهم للتغذية في جدل على مسميات شكلية وتمايز وهمي بين الاكلينيكي وغير الاكلينيكي أشغل الوسط الأكاديمي وقطاع التوظيف بصراع محلي حول هذه الشكلية وأحبط كل جهد لتفهم وادراك الاحتياج الميداني لمتخصصين أكفاء في التغذية وأستبعد كل المناشدات لاصلاح الوضع ومراعاة مآل الخريجين والخريجات ومستقبلهم العملي .

 وأيضاً في نظري أن هذا الموقف والتوجه باصراره على بقاء واستمرار الوضع المختلط في التدريس والاشراف هو تحديدا المسؤول عن تداعيات واضحة منها : أولا: أنه خلق تخصص  فضفاض قدم لسوق العمل خريجين وخريجات لديهم حصيلة عامة غير متعمقة في التخصصين جعلهم في وضع ثانوي بعد خريجي العلوم الطبية وأعاق توظيفهم في القطاع الصحي . ثانياً: أنه بالفعل هدر الجهد والوقت على صراعات شكلية وتنافس بين أعضاء التخصصين في تصنيف انفسهم وتصنيف المختصين والاختصاص . ثالثاً: أنه تسبب في عودة للقديم بتصنيف المتخصصين والخريجين حسب طبيعة الكلية ، فالزراعيون ( متخصصون تغذية عامة ) والطبيون ( متخصصون تغذية اكلينيكية ) وتحول هذا التصنيف المتأخر الى قاعدة ومفهوم شائع في الجامعة والخدمة المدنية وهيئة التخصصات الصحية . رابعاً : والأهم الأسوأ ان هذا الاصرار ( على ابقاء التغذية جزء من علوم الغذاء والصناعة الغذائية واستمرار الوضع المختلط في التدريس والاشراف) أنه المسؤول عن خلق شعور محلي رسمي وشعبي عام بضعف كفاءة وقدرة خريجوا وخريجات التغذية من الزراعة على المنافسة والتفاعل المتمكن مع الأمراض ووسائل الوقاية والعلاج  التغذوي الفاعل والمنضبط وألحق ضرر في تطوير كفاءآتهم .  خامساً : أنه  حرم المجتمع من انشاء كيانات أكاديمية وبحثية وتطبيقية من المفترض لها اليوم أن تفيد الناس وتساند الصحة وتوفر نفقات طائلة ومعاناة انسانية  وأن يكون لنا في المملكة مراكز رسمية مرجعية تقدم الاجابات وتعطي الأرقام عن الاستهلاك والاحتياج وتحدد للمجمهور توصيات تغذوية مدروسة عن الحالات والأمراض.  سادساً : بل ان هذه المواقف أدت وسوف تؤدي الى نتائج سلبية على خريجي الكليتين ، اذ ان المتخرج من الكليات الطبية ( وقد الصق به مسمى غريب هو أخصائي تغذية اكلينيكية ) سوف يجد نفسه في وسط علاجي تحت اشراف طبي وليس من المتوقع ان يحضى بأي استقلال مهني كما هو في العالم المتقدم . كما أن المتخرج والمتخرجة من كلية الزراعة ( وقد الصق به مسمى شديد الغرابة وهو أخصائي تغذية عامة ) سوف يعاني في سمعته المهنية من ضعف مهني واشكالات في التوظيف. وباختصار فان ما يواجهه التخصص يكمن في الاصرار المتواصل على ان التغذية جزء من علوم الأغذية ، وباختصار أيضا فان ما يواجهه الخريجين والخريجات هو نتيجة حتمية لاصرار غير المتخصصين بالتغذية على تدريسه والاشراف على دراساته العليا وعضوية لجان المناقشة وتخطيط مناهجه وبحوثه .

 حاولت جهدي أن لا يحصل كل ذلك وأن لا يستمر واعتراضاتي على كل ذلك موثقة.  ولا أدعي اطلاقا انني امتلك الرؤية الأصح ولا الحل السحري ولكن القياس الموضوعي مع التجربة العالمية يقرر بوضوح أن الوضع القائم والسائد خطأ وما ذكرته من أسباب هي ما شهدته وعايشته وتحققت منه . وليس سرا أن مواقفي الموثقة في محاضر القسم حول تصحيح وضع التغذية أضطرتني الى الندب لسنوات خارج الجامعة وأتوقع الى حد اليقين أن موقفي ومقالاتي عن مأزق التخصص ودور القسم فيه لم يكن مريحا للأغلبية ولا أستبعد مستقبلا أن يؤثر عاطفيا في قرارات ليست في مصلحتي . الا أن ذلك جانب لا علاقة له بحقائق هذا المقال الذي اعتبر كتابته واجب ومسؤلية وقد كتبت أصله في رسالة الجامعة وأنا عضو في القسم .

انني شديد الحسرة والأسف أن يحدث ذلك في بيئة أكاديمية وجامعة عريقة وبلد يستحق مجتمعه الأفضل، وشديد الحسرة أن أرى معاناة  الخريجين وهزال التخصص وبقاءه متأخرا كثيرا عن العصر. وغايتي من هذا السرد والتوضيح تسموا عن أي هدف آخر غير أن يكون الأوفياء والمخلصون من أصحاب القرار والخريجون والخريجات والمهتمون بالاختصاص على اطلاع بعمق الاشكالية لأنه بدون تشخيص لا حل ، وبدون معالجة الجذور سوف تضل القضية مجرد هموم وسوف تتواصل المعاناة مع كل دفعة من المتخرجين من الجنسين . ولأني أعلم أن الأسف لن يفيد المتضررين والمتضررات من المتخرجين والموظفين منهم والعاطلين عن العمل ولن يعوض معاناتهم وتأخرهم الوظيفي ، وأعرف أنهم يبحثون عن مساعدة وحل . لهذا أقترح – ولكني لا أدفع أحدا اطلاقا  وانما اذا كان من يعنيهم الأمر يستشعرون فعلا أن هناك مشكلة حالية أو مستقبلية تؤثر على حياتهم الوظيفية وأنها تستحق العناء – أقترح على طلاب وطالبات القسم الحاليين اتخاذ موقف نظامي موحد جاد يكفل لهم عدم التعرض لمصير زملائهم وزميلاتهم السابقين. وأن يشترك الجميع من طلاب وخريجين وموظفين وعاطلين ممن تضرروا وأن يبحثوا عن وسيلة مشروعة منضبطة توحدهم في مجموعة او جمعية أو أي كيان اجتماعي ايجابي ثابت يتمكنوا من خلاله من طرح قضيتهم ومطالبهم وبالتأكيد سوف يجدوا مني وممن يتفهمون قضيتهم كل العون والمعاضدة.